محمد جمال الدين القاسمي

195

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قالوا : نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت . فجعل يرفع رأسه ويرفع يده إلى السماء وينكبها إليهم ويقولون : اللهم ! هل بلغت ؟ .

--> قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به عليّ من اليمن ، والذي أتى به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مائة . قال ، فحلّ الناس كلهم وقصّروا . إلا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومن كان معه هدي . فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى . فأهلّوا بالحج . وركب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر . ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس . وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ( موضع بجنب عرفات ) فسار رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولا تشكّ قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام . كما كانت قريش تصنع في الجاهلية . فأجاز رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها . حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له . فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس فقال : « إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا . في شهركم هذا . في بلدكم هذا . ألا كل شيء من أمر الجاهلية ، تحت قدميّ موضوع . ودماء الجاهلية موضوعة . وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث . كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع . وأول ربا أضع ربانا . ربا عباس بن عبد المطلب . فإنه موضوع كله . فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمان الله . واستحللتم فروجهن بكلمة الله . ولكنّ عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه . فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرّح . ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف . وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به . كتاب الله . وأنتم تسألون عني . فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت . فقال بإصبعه السبّابة ، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس « اللهم ! اشهد . اللهم ! اشهد » ثلاث مرات . ثم أذّن . ثم أقام فصلى الظهر . ثم أقام فصلى العصر . ولم يصلّ بينهما شيئا . ثم ركب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل ناقته القصواء إلى الصخرات ( هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة ) وجعل حبل المشاة بين يديه ( حبل المشاة أي مجتمعهم ) واستقبل القبلة . فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص . وأردف أسامة خلفه . ودفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام . حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله . ويقول بيده اليمنى « أيها الناس ! السكينة السكينة » . كلما أتى حبلا من الحبال ( الحبل هو التل اللطيف من الرمل الضخم ) أرخى لها قليلا ، حتى تصعد . حتى أتى المزدلفة . فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين . ولم يسبّح بينهما شيئا . ثم اضطجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى طلع الفجر . وصلى الفجر حين تبين له الصبح ، بأذان وإقامة . ثم ركب القصواء حتى أشعر المشعر الحرام . فاستقبل القبلة . فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده . فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا . فدفع قبل أن تطلع الشمس . وأردف الفضل بن عباس . وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما . فلما دفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مرت به ظعن يجرين . فطفق الفضل ينظر إليهن . فوضع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يده على وجه الفضل . فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر . فحول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل .